الجصاص
409
أحكام القرآن
كله يدل على جواز النظر إلى وجهها وكفيها بشهوة إذا أراد أن يتزوجها ، ويدل عليه أيضا قوله ، ( لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن ) [ الأحزاب : 52 ] ، ولا يعجبه حسنهن إلا بعد رؤية وجوههن . ويدل على أن النظر إلى وجهها بشهوة محظور قوله صلى الله عليه وسلم : " العينان تزنيان واليدان تزنيان والرجلان تزنيان ويصدق ذلك كله الفرج أو يكذبه " . وقول ابن مسعود في أن ما ظهر منها هو الثياب لا معنى له ، لأنه معلوم أنه ذكر الزينة والمراد العضو الذي عليه الزينة ، ألا ترى أن سائر ما تتزين به من الحلي والقلب والخلخال والقلادة يجوز أن تظهرها للرجال إذا لم تكن هي لابستها ؟ فعلمنا أن المراد موضع الزينة ، كما قال في نسق التلاوة بعد هذا : ( ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ) ، والمراد موضع الزينة ، فتأويلها على الثياب لا معنى له إذ كان ما يرى الثياب عليها دون شيء من بدنها كما يراها إذا لم تكن لابستها . قوله تعالى : ( وليضربن بخمرهن على جيوبهن ) . روت صفية بنت شيبة عن عائشة أنها قالت : " نعم النساء نساء الأنصار ، لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين وأن يسألن عنه ، لما نزلت سورة النور عمدن إلى حجوز مناطقهن فشققنه فاختمرن به " . قال أبو بكر : قد قيل إنه أراد جيب الدروع ، لأن النساء كن يلبسن الدروع ولها جيب مثل جيب الدراعة فتكون المرأة مكشوفة الصدر والنحر إذا لبستها ، فأمرهن الله بستر ذلك الموضع بقوله : ( وليضربن بخمرهن على جيوبهن ) ، وفي ذلك دليل على أن صدر المرأة ونحرها عورة لا يجوز للأجنبي النظر إليهما منها . قوله تعالى : ( ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ) الآية . قال أبو بكر : ظاهره يقتضي إباحة إبداء الزينة للزوج ولمن ذكر معه من الآباء وغيرهم ، ومعلوم أن المراد موضع الزينة وهو الوجه واليد والذراع لأن فيها السوار والقلب ، والعضد وهو موضع الدملج ، والنحر والصدر موضع القلادة ، والساق موضع الخلخال ، فاقتضى ذلك إباحة النظر للمذكورين في الآية إلى هذه المواضع وهي مواضع الزينة الباطنة ، لأنه خص في أول الآية إباحة الزينة الظاهرة للأجنبيين وأباح للزوج وذوي المحارم النظر إلى الزينة الباطنة . وروي عن ابن مسعود والزبير : " القرط والقلادة والسوار والخلخال " . وروى سفيان عن منصور عن إبراهيم ( أو أبناء بعولتهن ) قال : " ينظر إلى ما فوق الذراع من الأذن والرأس " . قال أبو بكر : لا معنى لتخصيص الأذن والرأس بذلك ، إذ لم يخصص الله شيئا من مواضع الزينة دون شيء ، وقد سوى في ذلك بين الزوج وبين من ذكر معه ، فاقتضى عمومه إباحة النظر إلى مواضع الزينة لهؤلاء المذكورين كما اقتضى إباحتها للزوج . ولما ذكر الله تعالى مع الآباء ذوي المحارم الذين يحرم عليهم نكاحهن تحريما مؤبدا دل ذلك